عماد الدين خليل

108

دراسة في السيرة

من هذه القبائل ( بنو كندة ، بنو عامر بن صعصعة ، بنو حنيفة . . الخ ) لم تمد يدها مبايعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ومرحبة بهجرته إلى أرضها وديارها . . فقد أعمت الوثنية الجاهلية قلوبهم وأبصارهم عن الشرف الذي كان يمكن أن يحظوا به لو قالوا للرسول : بايعنا . . ونصرنا ! ! ويمضي الرسول صلى اللّه عليه وسلم في بحثه عن الطريق الذي سيهاجر عليه وأصحابه صوب هدفهم المحتوم . وكان أن بعث اللّه نفرا من يثرب . . ساقتهم إرادته التي لا تغلب ، إلى الرسول في السنة العاشرة للبعثة . . فالتقوا به عند العقبة ، المنفذ الذي يجتازه القادمون من يثرب صوب أم القرى ، وعرض عليهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم مبادئ الإسلام ، غاية في الوضوح والسماحة والعدل والمساواة والانسجام مع تكوين الإنسان ونشاطه وأهدافه . . فما كان منهم إلا أن لبوا الطلب ، وأعلنوا إسلامهم ، ووعدوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم بأنهم سيرجعون إلى يثرب ويبشرون بدعوته العادلة هناك ، وقالوا « إنا قد تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، فعسى اللّه أن يجمعهم بك . . فإن يجمعهم اللّه عليك فلا رجل أعز منك » ، وقفلوا عائدين إلى بلدهم ، وراحوا يدعون قومهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم « فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » « 1 » . ومما ساعد هؤلاء الرواد ، والذين أعقبوهم ، على التحرك لنشر الدعوة في يثرب ، وساعد بالتالي على نجاح ( الهجرة ) ، أن الأوس والخزرج كانوا في هذا الوقت أصحاب الكلمة العليا في يثرب ، وكانوا قد أصبحوا سادة الموقف فيها ، وأصبح اليهود يعتبرون موالي لهم ، فإذا تحالف النبي مع الأوس والخزرج ودخلوا في دينه ، كان له ألا يخشى اليهود ، كما كان في مقدور الأوس والخزرج أن يدخلوا في المدينة من شاؤوا دون أن يخشوا اعتراض اليهود عليهم « 2 » . وما لبثت السنة التالية أن جاءت إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، في نفس المكان ، بوفد ثان من أوس يثرب وخزرجها : اثنا عشر رجلا ، من بينهم الستة الذين أسلموا من قبل . . . جاؤوا لا ليعلنوا إسلامهم هذه المرة بل ليبايعوا الرسول على الإسلام ، تمسكا بأهدافه والتزاما بقيمه وأخلاقياته . ولم يشأ الرسول أن يتسرع الخطوة التالية ويعرض عليهم طلبه القديم : أن يمنحوه أرضهم وبلدهم وأن يحموه . . إنه بذكائه

--> ( 1 ) ابن هشام ص 108 الطبري : تاريخ 2 / 353 - 355 . ( 2 ) إبراهيم الشريف : مكة والمدينة ص 382 .